|
حوار السقف الواطىء
الخميس 10/04/2008
جان كورد
بعد تقديم قائد القوات الأمريكية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس مع السفير كروكر تقريريهما أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي بمناسبة مرور خمس سنوات على سقوط الصنم البعثي وتوجيه اتهامات خطيرة لايران بأنها تلعب دورا تخريبيا كبيرا في العراق وتؤجج النار التي تحرق الجنود الأمريكان والعراقيين، قال المرشح الرئاسي الديموقراطي السيد باراك حسين أوباما بأنه يفضل اجراء حوار أكثر فعالية مع ايران بهدف كسبها من أجل تحقيق الاستقرار في العراق، أي أن سقف الحوار مع ايران هو "تحقيق الاستقرار في العراق" وليس شيئا آخر، كموضوع السعي الايراني لامتلاك السلاح النووي أو الخروقات المستديمة لحقوق الإنسان في ايران...
بدلا عن أن يغضب وينفعل ويهدد السيناتور أوباما ايران، فإنه مد يده للتعامل مع دولة تقتل الأمريكان وتعمل على افشال مخططهم في منطقة الشرق الأوسط وتلعب دورا تخريبيا كبيرا ضدهم... هذا ما يسمى بحوار السقف الواطىء، وقد حقق الأمريكان وغيرهم من خلال اتباع هذه الديبلوماسية في الماضي والحاضر أهدافا هامة، وقام وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر بممارسة هذه السياسة بشكل فعال وذكي في جنوب شرق آسيا مع العديد من البلدان، أثناء حرب الفيتنام، وفي علاقاته ورحلاته المكوكية مع الصين الشيوعية والاتحاد السوفييتي على حد سواء، وكذلك أثناء سعيه لتحقيق الهدنة بين سوريا واسرائيل وغيرهما بعد حرب عام 1973.
حوار السقف الواطىء لابد منه في العمل الديبلوماسي وكذلك في التعامل السياسي بين الأطراف المتنازعة وبين الأصدقاء أيضا، ولكن فهم بعضنا ذلك – مع الأسف- بشكل خاطىء على أنه ضرورة تاريخية لابد منها حتى مع أقسى الأعداء وأشدهم، وحتى مع النظام الذي لايعترف بالوجود القومي للأمة الكوردية مطلقا ولا يعترف بهذا الحوار مع حركتنا السياسية الكوردية أبدا، بل هو في نظره مجرد عملية "كسب وقت" لتمرير مشاريعه العنصرية التي أفلح في تنفيذ العديد منها عمليا مع الأيام، وبدون التنازل عن سطوته وعنصريته وفوقيته وأنانيته وكبريائه ولو قيد شعرة... وهذا ما يجب أن نقف عنده كحقيقة لامراء فيها بدليل أن حوار بعض الأمناء العامين في صفوف الحركة الوطنية الكوردية السورية مع رجالات النظام، على مستويات مختلفة، ادارية واستخباراتية وشبه رسمية، خلال الأربعين عاما الماضية، لم تأت لشعبنا بشيء ، ومعادلة "حوار السقف الواطىء" مع المستكبر الغاشم هذا انتهت بالوصول إلى نقطة الصفر التي بدؤوا عندها بحواراتهم الطويلة الأمد...
واليوم ، يعترف بعضهم على مضض بأن هذا النظام غير قابل للاصلاح، وهو غير جاد في حواره، ويلعب ويناور ويحتال، بهدف تمزيق أشد لصفوف المعارضة الديموقراطية والوطنية السورية عامة، ولحركتنا الوطنية الكوردية خاصة، كما أنه غير مستعد لأن يخطو خطوة واحدة صوب تحقيق عادل وسلمي للقضية القومية الكوردية في البلاد. وكما تخلى عن هذا النظام العديد من رجالاته في الماضي البعيد والقريب، فهاهم المحاورون الكورد ينفضون عنه أيضا، ويكفي أن يعترفوا لشعبهم صراحة بأن "حوار السقف الواطىء" مع نظام لايعترف بهم كممثلين للشعب الكوردي ولايعترف بوجود قضية "شعب وأرض" للقوم الكوردي في البلاد، قد انتهى إلى الفشل الذريع ... وهكذا اعتراف لايستطيع القيام به سوى الأبطال حقا...
ويجدر بالقول أن "الحوار" يحتاج أصلا إلى اعتراف متبادل بالطرف الآخر، بالرأي الآخر وبالوجود الآخر، وهذا لم يتم البتة في حوارات بعض زعمائنا الحزبيين مع الأطراف الأمنية لهذا النظام و مع بعض وكلاء وزاراته ووزرائه... فلم نقرأ يوما للنظام بيانا رسميا يعترف بالوجود القومي للشعب الكوردي حتى نصدق بأنه يعترف بممثلي هذا الشعب بسبب ذلك، والتصريح اليتيم الذي أدلى به سيادة رئيس ما يسميه البعض ب"نظام الأمر الواقع!" الدكتور بشار الأسد أمام كاميرات قناة الجزيرة : "الشعب الكوردي جزء من النسيج الاجتماعي السوري" ، هذا التصريح الذي صفق له الكثير من المحاورين الكورد، لم يكن في اجتماع للحزب الحاكم أو في لقاء رئيس الجمهورية الملكية مع نوابه، ولم يكن في قيادة للجيش الذي هو آمره العام، كما لم يكن في ما يطلق عليه تندرا اسم "مجلس الشعب"، بل كان مجرد فقاعة إعلامية ل"ترطيب خاطر" الكورد الذين سقط منهم عشرات الشهداء أثناء انتفاضتهم المجيدة في آذار عام 2004 ولذا لايحمل محمل الجد، ولايمكن اعتباره وثيقة رسمية يمكن بها مقاضاة النظام أو رئيسه ، بل نلاحظ استمرار سياسته الهمجية المتخلفة ضد الشعب الكوردي بعد ذلك التصريح مباشرة، حتى توالت اغتيالات الكورد وازداد عدد ضحاياهم، منذ ذلك الحين إلى الآن...وقد لايتجرأ على تكرار ذلك التصريح اليوم، حيث ازدادت الطين بلة في سوريا الأسد، ووصلت الانقسامات إلى داخل "أهل البيت"، والحبل على الجرار... وهنا قد يخطر ببال أحدهم أن "حوار السقف الواطىء" مع أطراف المعارضة الديموقراطية والوطنية السورية
سيكون أوفر انتاجا بالتأكيد، ولكنني غير متفائل جدا في هذه الناحية أيضا، فالشرط الأول للاستمرار في هكذا حوار يجب أن يكون الاعتراف الصريح بوجودنا كمكون أساسي ذي مميزات قومية خاصة من قبل كل من يمد يده للحوار مع ممثلي شعبنا الكوردي، وهم كثيرون والحمد لله...!!، الاعتراف بأن قضيتنا القومية الكوردية هي بالنسبة لنا أهم من أي أمر آخر في البلاد، وهذه ليست أنانية وانما نتيجة لتراكمات وتجارب سياسية لشعبنا وحركته الوطنية منذ الاستقلال وحتى اليوم، ولايمكن أن ننخرط في أي تحالف سوري وطني مالم يعترف في وثائقه بأن هذه القضية هي "قضية شعب وأرض" وليس مجرد هويات شخصية واعتراف بحق الكورد في ممارسة ثقافتهم القومية، فهذه أمور من أصل وثيقة حقوق الإنسان، يجب أن يعترف بها العامل على اقامة نظام حر وديموقراطي، في أي مكان كان من عالمنا هذا... إن الاعتراف بحق المواطنة الذي نسمعه كل يوم من المعارضين السوريين ليس منة ولا صدقة ولازكاة ولا معروفا منهم على شعبنا ، بل هو أمر مفروض ويجب الالتزام به وطنيا حسب القانون الدولي...
قد يقول قائل: "كثيرون من العراقيين أيضا اعترفوا على الورق بالحق القومي الكوردي، ثم تملصوا منه بعد أن صاروا في الحكم." فأقول: "مهما كان الوضع الذي آل إليه العراق، فإنه أفضل بالنسبة لشعبنا مما كان عليه في العهد البعثي البائد، وأفضل للعراقيين جميعا بدليل أن الكورد لم يعودوا للقتال ضد الحكومة المركزية منذ سقوط الصنم، وإن الاعتراف صراحة بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره على أرضه بند أساسي من المواثيق الدولية، لايمكن التساهل عنه أو تجاوزه، تماما مثل الحق في استخدام اللغة القومية والرقص كورديا..." فلنقنع محاورينا الكورد أولا وقبل المحاورين السوريين من غير الكورد بأن الواجب الأكبر الذي يقع على عاتقهم هو انتزاع الاعتراف بأن قضيتنا القومية هي (قضية شعب وأرض) قبل الدخول في تفاصيل التحالفات وعدد الكراسي في أماناتها العامة ... والطريق الطويلة المشتركة بيننا وبين كل السوريين الآخرين يبدأ من هذه النقطة... وليس من أي نقاط أخرى...وإن كان هناك من لايثق بذلك فليجري استفتاء شعبيا عن طريق المساهمات الالكترونية عما يقوله الشعب الكوردي، أهو يكتفي بحق المواطنة، بحقوقه الثقافية، أم أنه يسعى لانتزاع الاعتراف به شعبا وأرضا، شأنه شأن شعوب أخرى في عالمنا المعاصر....
جان كورد 10/04/2008
|
|
|
|